ابن عربي
66
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
بعض العلماء في التوحيد : إن الحق يعطي المناسبة من وجه ولا يعطي المناسبة من وجه ، ويقول جماعة من العلماء بنفي المناسبة جملة واحدة ، ومذهبنا أنا بحسب ما يلقي إلينا في حق نفسه ، فإن خاطبنا بالمناسبة قلنا بها حيث خاطبنا ، لا نتعدى ذلك الموضع ونقتصر عليه ، وإن خاطبنا برفع المناسبة رفعناها في ذلك الموطن الذي رفعها فيه لا نتعداه ، فيكون الحكم له لا لنا ، هذا هو الذي نعتمد عليه ، فقوله « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » على زيادة الكاف رفع للمناسبة الشيئية ، لأنه ما ثمّ موجود لا يغيب له عين ولا يحصره أين إلا اللّه ، وتمام الآية « وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » إثبات للمناسبة ، والآية واحدة والكلمات مختلفة ، فلا نعدل عن هذه المحجة فهو أقوى حجة ، قال تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » فنفى ، فإن الحقائق ترمي بالتشبيه ، لأن الجوهر ما هو عين الصورة ، فلا حكم للتشبيه عليه ، ثم قال : « وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » فأثبت التشبيه إثباتا للصور ، والآية تقتضي عموم الإثبات في عين النفي وفيما بعده إذا جعلت الكاف للصفة ، ويؤيد هذا النظر الخبر ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : [ إن اللّه خلق آدم على صورته ] ونفى مماثلته في حال اتصافه بهذا الوصف ، فالحق سبحانه هو الواحد الكثير ، فأين التنزيه من التشبيه والآية واحدة ؟ وهي كلامه عن نفسه على جهة التعريف لنا بما هو عليه في ذاته ، ففصل بليس وأثبت بهو ، فهو الواحد بذاته ، الكثير بأسمائه وصفاته ، وقد وصف اللّه نفسه بالتعجب والضحك والفرح والتبشبش وأشباه هذه الصفات الخلقية ، ووصف نفسه بليس كمثله شيء فيها ، فمن الأدب أن تنسب إليه تعالى ما نسبه إلى نفسه وإن ردّته الأدلة العقلية ، فإن الدليل العقلي أيضا قد علّمنا أن بعض الكون لا يعرفه على حد ما يعرف نفسه ، فهو المجهول المعروف ، لا إله إلا هو ، فإن النعوت التي أحالتها الأدلة العقلية ، وجاءت بصحتها الألفاظ النبوية والأخبار الإلهية ، يبطل اتصاف الحق بها من حيث حقيقة ذلك الوصف للممكن ، فلم يبق إلا الاشتراك في اللفظ ، إذ قد بطل الاشتراك في الحد والحقيقة ، فلا يجمع صفة الحق وصفة العبد حد واحد أصلا ، فبطل ما قالوه وطردوه شاهدا وغائبا ، فلم يكن قولنا في اللّه إنه عالم على حد ما نقول في الممكن الحادث إنه عالم ، من طريق حد العلم وحقيقته ، فإن نسبة العلم إلى اللّه تخالف نسبة العلم إلى الخلق الممكن ، ولو كان عين العلم القديم هو عين العلم المحدث لجمعهما حدّ واحد ذاتي ، أعني العلمين ، واستحال عليه ما يستحيل على مثله من حيث ذاته ، ووجدنا الأمر